التفتازاني

298

شرح المقاصد

يشير إلى تحرير محل النزاع على ما هو رأي المحققين من أصحابنا ، فإنه حكى عن بعضهم تجويز تكليف المحال حتى الممتنع لذاته ، كجعل القديم محدثا وبالعكس ، وعن بعضهم أن تكليف ما علم اللّه تعالى عدم وقوعه أو أراد ذلك أو أخبر به كلها تكليف ما لا يطاق . فنقول مراتب ما لا يطاق ثلاثة أدناها ما يمتنع بعلم اللّه تعالى بعدم وقوعه ، أو لإرادته ذلك أو لإخباره بذلك ، ولا نزاع في وقوع التأليف به فضلا عن الجواز فإن من مات على كفره ، ومن أخبر اللّه تعالى بعدم إيمانه يعد عاصيا إجماعا وأقصاها ما يمتنع لذاته كقلب الحقائق ، وجمع الضدين أو النقيضين . وفي جواز التكليف به تردد بناء على أنه يستدعي تصور المكلف به واقعا ، والممتنع هل يتصور واقعا ، ؟ فيه تردد . فقيل : لو لم يتصور لم يصح الحكم بامتناع تصوره وقبل تصوره . إنما يكون على سبيل التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع . ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن بين السواد والبياض أو على سبيل النفي بأن يحكم العقل بأنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض كذا في الشفاء « 1 » وله زيادة تحقيق وتفصيل أوردناها في شرح الأصول . والمرتبة الوسطى ما أمكن في نفسه لكن لم يقع متعلقا لقدرة العبد أصلا كخلق الجسم أو عادة كالصعود إلى السماء ، وهذا هو الذي وقع النزاع في جواز التكليف به بمعنى طلب تحقيق الفعل والإتيان به ، واستحقاق العقاب على تركه لا إلى قصد التعجيز ، وإظهار عدم الاقتدار على الفعل كما في التحدي بمعارضة القرآن ، فإنه لا خفاء في وجوب كونه مما لا يطاق . فإن قيل : تكليف الجماد ليس بأبعد من هذا لجواز أن يخلق اللّه تعالى فيه الحياة والعلم والقدرة . فكيف لم يقع النزاع في امتناعه حتى للقائلين بجواز تكليف الممتنع لذاته .

--> ( 1 ) كتاب الشفاء في المنطق : لأبي علي حسين بن عبد اللّه المعروف بابن سينا المتوفى سنة 428 ه في ثمانية عشر مجلدا وشرحه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الأديب التجاني صاحب تحفة العروس ، واختصره شمس الدين عبد الحميد بن عيسى ( الخسروشاهي التبريزي ) المتوفى سنة 652 ه راجع كشف الظنون ج 2 ص 1055 .